أيام الشارقة المسرحية
شارك الأستاذ عادل حربي نائب عميد كلية الموسيقى والدراما في مهرجان أيام الشارقة المسرحية في الفترة من 18-28مارس 2012م بورقة عن ( الممثل الذاتي - الممثل الأدائي)وهي الورقة الأساسية في المائدة المستديرة. بدأ المسرح جدلياً في تكوينه الأول، والجدل أسس مفهوم الصراع للدراما، وكان صراعاً من أجل الحياة، من أجل ما هو مهاب وما هو مرغوب... من بدأ...الفعل أم الفكرة... وكل يحقق ذاته. وفي بداية التكوين تطورت الفكرة وأصبحت أفكار وتطور الفعل وأصبح تقنيه... عاش المسرح جدلية التعايش والتناقض بين الأفكار والتقنية... وبالتالي عاش فن الممثل هذه الجدلية- وبنى تطوره على هذه الثنائية... ديدن المسرح، مره في داخله وتارة في خارجه... وكثيراً ما نجد أحد أقطابها في خارجه... أو داخله... وهكذا عبر الزمن والتاريخ والتراكم المستمر مما كفل له البقاء والديمومة دون غيره من الفنون. تصارعت الأفكار مع التقنية في البدء مع وضع اللبنات الأولى وأنويه الدراما بفكر الشعراء وتقنيتهم فبذروا الشعر الملحمي، ثم الشعر التعليمي، والشعر الغنائي... وتبعتها الطقوس الباخوسية منفصلة معبرة عن تجربتها الإنسانية، فتلاقحت الأفكار الشاعرية مع الفعل الطقوسي... فأنتجت الدراما فعلاً وفكراً... ومن هنا بدأت جدلية الممثل بين ذاته وأدائه حينما حقق ثيسبيس الطفرة الكبرى في تاريخ المسرح حيث قفز إلى المنضدة وتربع فوقها وسط الدائرة، وأستقل بجزء من الإنشاد، بل بدأ يتبادل جملاً مع الديثرامبوس مع بقية أعضاء الجوقة... مستعيناً بالأقنعة... وهنا بدأت الجدلية بإخفاء ذاته خلف القناع ... محققاً (عنصر التوقع الشعائري) "mutual expectancy" الذي يفترضه الفنان في جمهور تلك الأزمنة، والذي كان عليه التعرف على أبطاله من خلف تلك الأقنعة الجامدة، وفوق الأحذية العالية الغريبة، وغيرها رؤية ممكنه لهذا الجمهور الضخم، المحتشد في مدرجات المسرح اليوناني . ومن هنا كانت بداية الجدلية... ذات يختفي خلف القناع... والقناع يخلق صورة غير متوقعه لشخوص معروفة تقريباً... مما خلف جواً حوارياً بين ذات الممثل الساكن خلف القناع وأدائه الذي يلعب الكلام فيه دوراً جوهرياً مدعوماً بحركة الأيادي والإيماءات الدالة... أكدت صفة التلاحم بين الذات والأداء مما جعل الممثل هو صانع العرض وواهم الصورة بقوة الأثر.. لذا نجد تمازج ذات الممثل وأدائه حقق الآتي:- 1- التوحد Indetification 2-القيمه الجماليه 3 –التواصل بين الممثل والجمهور وفي العصور الوسطى ترفعت الأفكار فوق المسرح فانزوى الممثل وأنحسر دوره وضمر... فكانت الفجوة، ابتعدت الأفكار عن التقنية... وتجمد الحوار الجدلي بين الذات وأداء الممثل... إلى أن جاء عصر النهضة... واتسعت المفاهيم بأتساع الكشوفات الجغرافية والاكتشافات العلمية... فنهض المسرح شكلاً ومضموناً وتزاوجت الأفكار والتقنيات... فظهر الممثل الشكسبيري وتشكلت المعمارية المواكبة للأفكار... والإضاءة والديكورات... وظهرت أنوية الإخراج وتطور فن الممثل ليؤسس لمفاهيم جديدة للمسرح... هكذا وجد الممثل نفسه في مواجهة ذاته وأدواته... مثله مثل إنسان عصره... عارياً أمام مرآة الواقع الجديد... لا يرى سوي العالم والكون ونفسه بهواجسها وتساؤلاتها وقلقها العميق أمام الأسئلة العصرية... وبالتالي أصبح الممثل... مضطراً إلى العمل وفقاً لوضعية العصر الشكسبيري... الذي وضع اللبنة الأولى لفن الممثل... وفي نفس الوقت أضاءت إشكالية الازدواج والمجادلة بين ذات الممثل وأدائه. ومنها صعدت القيمة الفردية، وتضخم الذات الذي ساهم في ظهور الممثل النجم ليكون هو مضمار الإبداع التمثيلي بمعزل عن حياة الدور . فمبدأ جدلية الازدواج يعتبر بداية حقيقية نحو الصدق الفني لأنه حاور فكرة تذويب الفوارق بين ذات الممثل والشخصية، فتح آفاقاً جديدة للتحاور بين ذاته وأدائه، ففطن الممثل لأدواته وأكد ذلك كوكلان بقوله (إن فن الممثل يجب أن يكون مزدوجاً: أي تتوفر لديه "أنا" خالقه وأخرى تحل بالنسبة إليه محل المادة... فالأنا الأولى تبتكر الشخصية الفنية (بالصورة التي خلقها عليه المؤلف) أما الثانية فتحقق الخطة الراهنة...) ويرى أيضاً، وهو يشرح هذه المفارقة أن (الأنا الأولى (أنا الممثل) لا تنفصل عن الأنا الثانية (أنا الشخصية)، ولكن يجب أن تكون هي التي تراقب أو هي المسيطرة، إنها الروح... بينما تكون الثانية هي الجسم... الأولى هي العقل، الذي يسميه الصينيون الحاكم الأعلى، أما الثانية فهي بالنسبة إلى الأولى بمنزله القافية إلى الفكرة... إنها ذلك العبد الذي يجب أن يمتثل للأوامر) . وفي العصر الحديث ثارت الأفكار وتمذهبت وبعضها سار في درب التيارات الفنية، فبعثت مفاهيم جديدة للكلاسيكيات والواقعية (الرمزية، التعبيرية والملحمية) ثم ثار المتمردون بمفاهيم جديدة من دادية، سريالية وعبثية، مما أثار حفيظة التقنية، وظهرت سطوره. المخرج... على العملية الفنية المسرحية... ليبشر برؤى جديدة أثارت حفيظة الممثل.. وبدأ تجوال الآفاق الجديدة والتحولات الكبرى في الجدلية بين ذات الممثل وأداءه. حوار المخرج وذات الممثل:- أصبح المخرج في العصر الحديث حامل الفكر والوعي والتصور للعرض المسرحي، وهو الذي يختار النص والممثل وهو المخطط لمشروع الإنتاج المسرحي. مما جعل وظيفته هي أساس العرض المسرحي، واقتضت الجهد الأكبر... في إعداد العرض، (وظهر هذا الجهد في اختيار الممثلين الصالحين لتجسيد الشخصية المسرحية، بحيث تتوافر لكل منهم على حدة المقومات الفيزيقية والفنية التي تمكنه من الاقتراب من الشخصية الفنية التي يقوم بأدائها . بدأ الحوار أندرية أنطوان في مسرحه الحر الذي نادى بأن يكون المسرح شريحة من الحياة، ومن الواقع دون صناعة أو زيف، فالممثل عنده يجب أن يحس بالحاجز الرابع... ولا يمكن أن يحدث هذا إلا بوضع مفتاح لحوار جديد للممثل بين ذاته وأدائه وبتربية أدواته فيقول:- (إن المثل الأعلى للممثل هو أن يصبح أداة معدة إعداداً فائقاً لخدمة المؤلف (يقصد النص)، وهو يحتاج من أجل ذلك إلى تربية تقنية، وفيزيقية، تكسب جسمه ووجهه وصوته الليونه المطوعة للتعبير) . فطن الممثل، المعلم والمخرج قسطنطين ستانسلافسكي بأهمية الحوار المركب بين ذات الممثل وأدائه وبين الممثل والمخرج. وذلك عبر ما يعرف بجدلية التوازن التي حققها بمستويين. أولاً: العلاقة بين الممثل والمخرج:- نادي ستانسلافسكي بأهمية العلاقة بين الممثل والمخرج لتحقيق رؤية موحدة وعمل موحد ومؤثر للوصول بمهنة المسرح إلى الهدف الأعلى بقوله (إن العلاقة الوطيدة بين ممثل ومخرج، هي أساس خطوات العمل المسرحي الذي يتجه إلى التسريح بغية الوصول معاً إلى بذرة الدراما المسرحية ليواصلا السير حثيثاً إلى الأمام في اتجاه تجسيد أهم أحداث العرض المسرحي) . ثانياً: تقريب المسافة بين ذات الممثل وبين الشخصية:- سعى ستانسلافسكي بتقريب المسافة بين ذات الممثل وبين الشخصية... عن طريق نظريته (نظرية التقمص أو الاندماج) بمعنى حلول الشخصية الفنية بحل شخصية الممثل يتوازن... وفق خطته التي وضعها في مؤلفاته- كتاب حياتي في الفن من جزئين- حيث يعرض فيه منطلقاته الأساسية في الفن المسرحي، معتمداً على تجربته الذاتية. ويتألف القسم الأول من جزأين بعنوان (عمل الممثل مع نفسه وهما إعداد الممثل في المعاناة الإبداعية (الداخلية). وفي المعايشة والتجسيد (الخارج). والقسم الثاني هو كتاب عمل الممثل مع الدور . ومن خلال تجربته في استديو الممثل توصل إلى أن التقمص الفني هو عنصر الخلق في المسرح إذ تمتزج فيه العناصر العقلية والنفسية والجسدية، في كل مترابط لخلق الشخصية التي يؤديها الممثل في العرض المسرحي. فالممثل فنان يشكل فنه من مادته النفسية والجسدية والعقلية، ولكي يحقق التشخيص أو خلق الدور فنياً، لابد أن يضع في اعتباره منظورين الأول يعود للدور، الثاني يعود للممثل نفسه، واسماه (ستانسلافسكي) منظور الفنان ومنظور الدور، ويشرح حقيقة أداء الفنان لدوره وطبيعة اندماجه معها فيقول: (تصوروا: إنكم تخلقون بصورة منطقية ومترابطة حياة بسيطة سهلة المنال لجسم الدور الإنساني، وفي النتيجة تشعرون فجأة داخل أنفسكم بحياة إنسانية مماثلة للمادة التي تناولها المؤلف للدور من الحياة الواقعية بالذات، من الطبيعة الإنسانية لأناس آخرين . فمثلاً شخصية هاملت على خشبة المسرح، لا ينبغي له أن يعرف نهايته ومصيره، بينما لابد للممثل أن يرى هذا المنظور، وإلا فإنه لن يكون قادراً على توزيع أجزاء هذا المنظور والوعي به، وتلوين هذه الأجزاء، وتظليلها، وتكوينها بصورة صحيحة، لذلك حدد (ستانسلافسكي) للممثل (أن مستقبل الدور هو مهمته العليا فلتسعى نحو الشخصية في المسرحية أما منظور الفنان، فعلى النقيض من منظور الدور، يجب أن يأخذ المستقبل في الاعتبار دائماً) . يعتبر (ستانسلافسكي) التقمص الفني تاجاً للممثل وقمة فنه، فإذا ما مثل الممثل نفسه من غير خلق الشخصية، فإنه يخل بالفن المسرحي، فإن أساس العمل المسرحي هو خلق الشخصية والامتزاج، وهو واجب من واجبات الممثل المهمة، وأن القدرة على التقمص الفني في رأيه هي المهمة الأولى للممثل، إنه يقول: (جميع الفنانين بلا استثناء هم خالفوا شخصيات وعليهم أن يتقمصوا ويكونوا ذوي سمات متميزة) . إذن على الممثل أن يخضع ذاته، وأفكاره ومشاعره لجميع الدقائق والخصائص الإنسانية. و(ستانسلافسكي) إذ يعتبر قانون التقمص الفني واندماج الممثل مع الدور هو التجسيد، ويعتمد أساساً على ثراء الطبيعة الإنسانية واستعداد الممثل التقني من إعداد وتدريب، وعلى القوى الثلاث المسئولة عن حياتنا النفسية، وهي العقل والإرادة والشعور، فعقل الممثل يساعده ليستخدم في ذكاء عناصر التقنية، والتي ستثير بدورها حياته الداخلية وانفعالاته، إن عقل الممثل يساعده في الحكم على المسرحية، وتقدير دوره وكل ما يتعلق به من كلام أو فعل، والإدراك يلعب دوراً مهماً في هذا المجال، و(ستانسلافسكي) يرفض الخلق الغير واعي. وقوة الإرادة الصلبة تعد بالنسبة للممثل عاملاً هاماً عظيماً، فهي التي تساعده على التركيز على الأشياء المختلفة، وتعاونه في استخدام خياله، أو في تنفيذ موضوعاته، إن إرادته هي التي تجعله يفعل ما يجب أن يفعله، عندما يجب أن يفعله، يجب استثارة الشعور والانفعالات إذا ما أراد الممثل أن تكون الشخصية التي يخلقها حية، وعندما يستطيع الممثل أن يتحكم في شعوره وانفعالاته وإرادته، وعقله، فإنه يستطيع أن يخلق وأن يعيش الحياة المشابهة والموازية للشخصية التي يصورها. مييرهولد وسطوة الأداء على ذات الممثل:- تأثر مييرهولد بما ذهب إليه ستانسلافسكي، ثم أخذ يطور إبداع أشكال البلاستيكية متأثراً بمبدأ نحتيه الجسم بوصفه أساساً لفن الممثل الذي أخذه من نظرية (فاغنر) في التحول البلاستيكي الذي صوره بقوله: (عندما يطور الإنسان لياقته البدنية تطويراً رائعاً، يصبح الإنسان الحي المتكامل موضوع الفن دون ريب، ولما كانت الدراما هي الفن الأكبر على قلب الإنسان، فإن البلاستيكا سوف تجد تفويضا في تحويل الضجر تحولاً سخرياً إلى إنسان من لحم ودم... ولن توجد البلاستيكا الحقيقية إلا عندما يتوقف فن النحت ويتحول إلى فن العمارة ويؤكد مييرهولد هذا الرأي بقوله: (حيث الممثل هو الأساس، على ما عثر عليه في الفن البلاستيكي، وليس في فن الرسم، إن نحتيه الجسم البلاستيكية هي الأساس عند الممثل) . وكان حلمه أن يتواجد المنُظِم والمنظّم في الممثل، أي (الفنان والمادة) لذلك... يجب أن تتوفر في الممثل رشاقة الأداء والدقة، واللياقة البدنية، والقدرة على القيام بالألعاب البهلوانية . وفي يوم 12 حزيران 1922، أعلن مييرهولد في محاضرة ألقاها في المعهد الموسيقى بموسكو عن تنظيم وتوظيف أعضاء الجسم بصورة صحيحة ومعبرة عن حقيقة العلاقات الإنسانية وجوهر الإنسان، ولتحقيق تلك الغاية، لابد من الدراسة العميقة وأشكال التدريب الميكانيكي الحي المتواصل المعتمد على هندسية الحركة القائمة على الدراسة المتعمة لجسم الإنسان وقوانين الحركة والفراغ. لذا يعتبر (ميير هولد) أن الممثل هو العنصر الرئيسي على خشبة المسرح، وأن كل ما هو خارج عنه مهم بقدر ما هو ضروري، وذلك انطلاقاً من مبدأ (المسرح الشرطي)، (إني أدعو إلى لا انتقال من حقيقة المسارح المعاصرة عديمة الجدوى إلى شرطية المسرح الإغريقي الواعية) . إن المسرح الشرطي يجعل المتفرج لا ينسى لحظة واحدة، أنه أمام ممثلين يؤدون أدوارهم، وأن أمام هؤلاء صالة متفرجين وتحت أقدامهم خشبة مسرح، وعلى جانبهم ديكورات أي وعي مشروط بين الممثل والمتفرج، إن الأسلوب الشرطي في الأداء، يرتبط بقواعد أداء مختلفة تحددها العلاقة بين المسرح والمتفرج، ويتولد نتيجة لهذه العلاقة في كل حالة محددة نوع جديد من الشرطيات وأشكالها الجديدة، لذلك رفض ميير هولد أسلوب التشخيص الذي يسعى التقمص الفني. فأداء الممثل عند (ميير هولد) صورة فنية ليست هي الواقع، وليست عن الطبيعة، بل يرتبط بفكرة الشرطية والتي تظهر بواسطتها الوسائل التعبيرية والتركيب الداخلي، ويصور ملامحها الخبيئة المميزة التي تتواجد بعمق في الشخصية وارتباطها بالفعل المسرحي والأشكال خارج الممثل فيقول: (لم نعط الحيوية الداخلية حرية الانطلاق إلا بعد أن تمكنا من الشكل ويقول: ( لا يعرض الممثل، بل تعرض الشخصية، أو بالأصح الممثل بواسطة الشخصية... ومن أجل ذلك ينبغي أن نعيش الدور ليس من منطقة الخاص، بل في منطقة العرض المسرحي كله أيضاً حقق ميير هولد في نظريته سطوة جديدة على الممثل وذاته، حيث جعل الأداء يطغى على الممثل وذلك عن طريق إلغاء ذات الممثل واستبداله بأدواته الفنية بحيث تصبح الأدوات هي الأداء. انتونان آرتو وتطابق الذات والأداء:- رفض انتونان آرتو متمرداً أن يكون جامداً حيال صراع الجدلية الذي ظهر بين الذات والأداء... فكان لابد أن يخرج من حلمه بمسرح جديد مستحدث ذات الممثل مسرحاً حقيقياً يشع بثقافة سحرية... تحتفظ بلغة المنبع... وهي العودة بلغة المسرح إلى المرحلة البدائية...مرحلة ما قبل اللغة ليحقق رؤيته... مسرح القسوة... فمسرح القسوة كان بمثابة إعلان ثورته العارمة لحلمه الذي لا ينضب معين تمرده أبداً، فتقدم ببعض المقترحات العملية عن كيفية تحقيق هذه القسوة بعد تفسيرها بمفهومه الفلسفي والفني بما يتوائم مع وظيفة المسرح العلاجية. (لذا يطلق آرتو عليه بكلمة المس Trance ... ويحتمل أن يكون ذلك المس حالة منطقية يجب أن يسعى إليها ممثل مسرح القسوة . إذن قضية التمثيل رئيسية في المسرح- لذا ينبغي تحديد مفهوم للفعل يمكن يطبق على كل من الممثل والتمثيل المسرحي (يرى الجميع أن الشخص المتحضر المثقف إنسان يعرف النظم ويفكر خلالها، وكذا من خلال الأشكال، والعلامات، والتمثيل) . فأداء الممثل عند آرتو ذو طابع رمزي، يعطي بعداً إنسانياً عاماً للدور... ولغة الجسد عند ممثل القسوة لغة إيمائية أشاريه تقترب من البانتومايوم...والحركة عنده دائماً تذكر بالأفكار والتفاصيل والأشياء الطبيعية، ونادي بلغة جسد القسوة بحيث يعيد إليه كل ذاته ويقضى على الفواصل بين روحه وجسده وبين شعوره ولا شعوره من ناحية أخرى، كما وجه ممثليه باستخدام الصوت والآهات كلغة توازي لغة الجسد. وذلك لكي يخلق (مسرحاً يتخلى عن الدراسة النفسية، ويروى ما يخرق العادة، ويخرج العادة، ويخرج صراعات طبيعية، وقوى طبيعية دقيقة، مسرحاً ينتج التشنج كرقص الدراويش... ويخاطب الجسم بوسائل محددة بنفس الوسائل التي تلجأ إليها موسيقى العلاج عند بعض الشعوب) . ادوارد كريج وإلغاء الحضور الحي للممثل:- أنكر إدوارد كريج الحضور الحي للممثل، لأنه يعتقد أن ذاتية الممثل وأدواته وقدراته لا تملك القدرة على الاستجابة لتوجهات المخرج الفنية... على التعبير لنقل قيم العرض، فلجأ بما يعرف السوبر ما ريونتsuper Marionette وهي نوع من العرائس التي تتمتع بالقدرة على الاستجابة لجميع التوجيهات، وتحقق جميع الأوضاع وفي النهاية يستكمل كريج نظريته بتطبيقات معظمها نظرية في الفترة ما بين 1907 إلى 1914م. معلناً إلغاء الحضور الحي للممثل . ابتكر كريج فكرة السوبر ما ريونيت، لأن نظريته قامت أساساً على أن الكلمة تخنق المسرح، لأن المسرح بصري ويؤكد ذلك بقوله: (إن مسرح المستقبل سيكون مسرح رؤى، لا مسرح طقوس ولا مسرح أقوال... مسرحاً نسمع فيه أقل مما نرى، مسرحاً بسيطاً يصل إلى فهم الجميع عن طريق الإحساس، مسرحاً يتفجر من الحركة، الحركة التي هي في الواقع، رمز الحياة .... لذا ذهب إلى إلغاء حضور الممثل وذاتيته، بالتخلص منه... واستبداله معلناً (ونتخلص أولاً من الممثل، لنتخلص بعد ذلك من الوسائل التي تقوم عليها الواقعية المسرحية الوضعية التي تزدهر في ظلها. ونحن إذا تخلصنا من الممثل فلن يكون ثمة مخلوق حي يوقعنا في مشكلة الربط بين الواقع والفن... يجب أن يذهب الممثل... ليحل محله التمثال الذي لا روح فيه... الممثل الدمية . هكذا أدخل كريج فن الممثل في جدلية حوار جديد بين ذات الممثل وأدائه. توظيف الذات في توصيل الفكرة:- طلب برتولد بريخت من الممثل أن يتخلى عن المدرسة الإندماجية في التمثيل، وأن يستغل كل إمكانياته الصوتية والحركية لتخفيف فلسفته الملحمية وأن يحقق مفهوم التغريب. إن الممثلين عند بريخت يكشفون بذواتهم عن قدر كبير من المغزى الذي يهدف إليه . لأن بريخت يريد أن يستفز الجمهور إلى المشاركة الإيجابية وذلك بطرح الحقائق التاريخية المعاصرة وتحليلها عبر الممثل، وأدواته بأن يتحاشى المدرسة الاندماجية باستغلال كل إمكانياته الصوتية والحركية والذاتية... مما جعل الذات يسمو فوق الأداء الاندماجي...، لهذا كان بريخت يتولى تدريب الممثلين بنفسه في الاتجاه المضاد لمنهج ستانسلافسكي... (إن بريخت يرى أن التي يؤديها على خشبة المسرح، بل عليه أن يحتفظ بشخصيته هو، ثم يقدم الشخصية المؤداه، وهذه المسافة مطلوبة أيضاً بنفس النوعية والدرجة بين الممثل والمتفرج) . وذلك من أجل الحصول على تأثير التغريب Alienation يتعين على الممثل أن ينسى كل ما تعلمه عندما كان يحاول أن يحقق بواسطة بتمثيله الاندماج الانفعالي للجمهور بالشخصيات التي يخلفها. تكشف مضامين ذات الممثل عبر الجسد:- تطور الحوار بين ذات الممثل وأداته... إلى مرحلة المفاهيم وخلق صيغ كلية لصورة العرض المسرحي. وذلك بإخضاع الممثل في صيغ معملية دقيقة ارتبطت بالعمليات الفسيولوجية والتشريحية وأبعادها الثقافية. فمثلاً نجد جروتوفسكي في مسرحة الفقير poor Theatre (وأنه يعود إلى أصول المسرح وإلى أصول الإنسان، فيعيد تأصيل مجموعة العلاقات الأساسية في العرض المسرحي: الممثل والمتفرج، الزمن والمخرج والممثل، أهداف المسرح، أخلاقيات المسرح، تقنيات الممثل . لجأ جروتوفسكي لمفهوم الاستغراق في الذات للوصول إلى أداء الممثل ليكسر مفهوم الاندماج في المسرح وليؤكد حواراً جديداً في المسرح. سعى جروتوفسكي إلى إعادة النظر في فن الممثل محاولاً اكتشاف عناصر جديدة لهذا الفن.. تعتمد على تقنية جسدية، الأمر الذي دفع جروتوفسكي إلى تدريب جسد الممثل على قدرة مقاومة عملياته النفسية، أو على إزالة شعوره بجسده كعائق أو كعب أمام انطلاقه في التعبير عن أدق المعاني والدلالات التي يريد إيصالها للمتلقي... فقد اهتدى إلى ما أسماه (بالجسد المرئي) ذلك الجسد الذي يتفجر، ليكشف- أو ليعيد اكتشاف العالم . وهنا استطاع جروتوفسكى اكتشاف الذات وذلك عن طريق التمازج العميق بين ذات الممثل وأدائه والجمهور... عبر الإرث الثقافي والاجتماعي والأسطوري الكائن داخل الممثل والجمهور... إذن جدلية الحوار الثلاثي حققت نقله جديدة في فن الممثل. ثم جاء ايوجينو باربا ومسرحه الانثربولوجي الذي سعى به إلى تطوير أسلوب أداء الممثل عبر ما يسمى بالتظاهرة pretension (ويقصد بالتظاهر قيام الممثل بفعل جسدي ما دون وساطة وبطريقة تخلو من الجدلية بينه وبين جسده من ناحية وبين لغات خشبة المسرح الأخرى من ناحية أخرى، وهو ما يسميه بالجسد المتحرر Liberated Body، ومن ثم فإن هذا التظاهر يعني الابلاغ للجسد هو نتاج ثقافة معينه، تملكت منه، واستعمرته، ولذا فإن هذا الجسد لا يعرف سوى تلك التوظيفات والاستخدامات التي استعمر من أجلها داخل ثقافته . إذن إن الممثل يكتشف لغة جسدية وأنماط سلوكية بديلة وحديثة من أجل بث أيقونات وفقاً لتقاليد ثقافية موروثة أو إشارات أو رموز تدخل في إطار النظام الدلالي الكلي لتجربة فن الممثل. وبالتالي أظهر الجسد في المسرح المعاصر مفاهيم وأفكار وتقنيات تمثلت في:- 1- مفهوم التعبير الجسدي. 2- مزج مفاهيم الجسد مع تصورات العلوم التقنية المعاصرة والتكنولوجيا. 3- تحفيز العالم الداخلي للممثل وجعله يلتقي بالجسد لتفجير طاقاته وإيماءاته وإشاراته. 4- إدخال الجسد في مصطلحات وتجارب جديدة، أظهرت لغات جديدة للجسد مثل (بلاستيكية الحركة)، (شعرية الحركة)،( ومعمارية الحركة)، المتجسدة في فعل الممثل واصطلاح الشعر الفضائي . 5- البحث عن صيغ جديدة تجريبية لها علاقة بالحركة وعلومها وارتباطها بكل نشاطات الإنسان وتجاربه الانفعالية والفكرية والثقافية. وفي ظل العولمة عاش الجسد حوار الذات والأداء تواجه الأفكار ونسبة سرعة معدل التغيير في المفاهيم والتراكم، كما واجه الجسد قلق الاقتصاد والخارطة الثقافية الممتدة بلا حدود... ولكن بالرغم من الجهود والتجارب والتجريب في عالم مواكبة حوار فن الممثل مع العولمة، إلا أن هنالك كثير من الأسئلة تبحث عن إجابات... هل سيحدث تباعد بين الإنسان وجسده؟ أم يستطيع الفنان المسرحي أن يستدعى تراثه ويحاور به الحاضر المتغير بسرعة؟. الممثل العربي بين التحديات والمواجهات:- إن جدلية الحوار لفن الممثل العربي خضع للعلاقة التوافقية بين ذاته وأدائه وبين جدلية النشاط الإنساني وبين جمالية الفن. فالممثل العربي واجه تحديات ومواجهات... أهمها بين ذاته وأدائه... محققاً صوراً مألوفة وغير مألوفة، وقيم... فجوات، تساؤلات وحوارات- إنها جدلية لم تتوقف... ولم تهدأ... ما دام الممثل العربي دوماً يسعى لتنمية قدراته الأدائية والذاتية... التي لا يمكن أن تتم دون ربطها بتكوين مجتمعه وثقافته وحضارته، لأن ذاتية الممثل المبدع لا تتحرك من فراغ بل تحدها عوامل تساهم في توجيه مقدراته الإبداعية ومن أهم هذه العوامل:- 1- معجزة الكون الذي يحيط بالفنان، بما في ذلك الكون من عوالم فيزيقية وأخرى ميتافيزيقية. 2- البيئة الحضارية التي يولد فيها الفنان ويعيش زماناً فيها، ومكاناً، تقاليد وموروثات . 3- المخزون الكامن في ثقافة الفنان واللا وعي الكامن فيه. علماً بأن ذات الممثل وأدائه يختلف من حضارة لأخرى، ومن زمان لآخر) من مخزون ثقافي لآخر، ومن إشارات وصفات أيقونية إلى أخرى ، وباختلاف تلك المعطيات. وفن الممثل العربي أهتم بتجارب عملية وتطبيقية ومعملية، دون الاهتمام بالخصوصية النفسية والاجتماعية للممثل العربي وأدائه من:- 1- إيماءة واشاره 2- حركة وجسد 3- صوت وكلمة 4- وجدان الممثل من جزئية داخلية والمخزون اللا وعي فيه (إدراك، خيال- تركيز....الخ. 5- تجسيد المعاني الدلالية بالأداء. إن تنمية إبداعات الممثل العربي واجهت عدة تحديات ومواجهات... لأن التنمية تعتمد على الموهبة والاستعداد الفطري والذاتية وعلى طريق الإعداد والتدريب وأساليب الممارسة الفنية. علماً بأن المسرح الغربي لم يظهر في العالم العربي إلا قبل مائة وستون عاماً وهو ميلاد أول مسرحية عربية صممت وفقاً للنموذج الأوروبي المستورد، (يمكن القول أن تلك الظروف والملابسات التاريخية المعقدة التي أحاطت بميلاد المسرح العربي الحديث داخل بيئة لم تكن ممهدة بشكل كاف لاستقباله) . كما أن الجذور التاريخية لفن الممثل العربي في الشام ومصر كانت تابعه لمجموعة من المفاهيم قواعد الأداء الجامدة متأثر بالمدرسة الصوتية والمدرسة الكلاسيكية المتأثرة بأفكار ديدرو وكوكلان... التي تأثر بها ممثلي مدرسة (الكوميدي فرانسيز)، (ومن المعروف أن بعض رواد الفن التمثيلي العربي قد تتلمذوا مباشرة أو غير مباشرة على أيدي أصحاب تلك المدرسة وعلى رأسهم جورج أبيض الذي تعلم على يد الممثل الفرنسي المعروف سيلفان) ،... وجورج أبيض هو من خلق حزمه من التقنيات والقوالب التمثيلية الجامدة (مدرسة الإلقاء.... التي خرجت من عباءة المدرسة الصوتية). فالمسرح العربي منذ البدايات حتى الآن يواجه عدة تحديات وحواجز خلقت أمام... تطلعاته وأسئلته المصيرية نحو التطور أهمها:- 1- قضايا المخرج العربي وفكرة على الممثل:- اهتم المخرج العربي بقضايا المجتمع وهمومه وأسئلته المصيرية... لذا نجده يتضامن مع الكاتب... لوضع مفاهيم جديدة للمسرح العربي عبر تجارب نظرية ومحاولات تطبيقية مثل دعوة توفيق الحكيم من خلال قالبنا المسرحي ودعوة يوسف إدريس من خلال مقالاته ,البحث عن مسرح عربي,ويوسف عيدابى مسرح عموم اهل السودان, وفي المملكة المغربية كانت تجربة جماعة المسرح الاحتفالي وفي لبنان من خلال تجربة جماعة الحكواتي... كلها تجارب زاوجت بين المخرج والكاتب لإيجاد صيغة جديدة عربية للنص والإخراج والمكان... ونادت بالممثل في إطاره الشعبي من مقلداتي، حكواتي، سامر، مداح، منشد...الخ. وعلى الرغم من الدور العظيم الذي قدمته البحوث والتجارب الإخراجية والكتابة، وذلك من إطار البحث عن صيغة لمسرح عربي، إلا أنها أغفلت جانب الممثل العربي، في كيفية الاهتمام به وفقاً لبحوث وتجارب عملية ومعملية متنوعة تقوم بإعداد وتدريب لذات الممثل وأدائه، وفقاً لهذه الأطروحات صيغة نحو مسرح عربي. مما جعل ترك مردود سلبي على أداء الممثل العربي. 2- تحديات المناهج الغربية المتعددة:- إن تعدد المناهج الغربية وأساليبها وطرق تفكيرها وتطويرها... تختلف حسب الخصوصية النفسية والاجتماعية للممثل... وبالرغم من اختلاف الفلسفات في فن الممثل، إلا أن الهدف واحد وهو تنمية قدرات الممثل في معامل واستوديوهات المناهج الغربية يعتمد على التعليم واكتساب مهارات وقدرات تجعله بصيغ جسده وعقله ووجدانه بحيث تصبح لديه قدرة عالية وفقاً لخصوصيته وذاتيته. إذن فإن الاستعانة بالمناهج الغربية لابد منه. ولكن على الممثل العربي الاستفادة من المناهج الغربية بما يتناسب مع الخصوصية النفسية والاجتماعية والجسدية الهامة تتمثل في:- أ- مواجهة الإرث الثقافي بالوعي. ب- مواجهة الذات والأدوات مع مراعاة المفاهيم (التوازن، والتطابق والتوظيف والتكشف والتحديات والمواجهات). ج- مواجهة العولمة في ايجابياتها وسلبياتها من حيث الثابت والمتحول للممثل العربي... فالثابت كامن في ذات الممثل وفي وعيه وإدراكه وإيمانه بالتاريخ والثقافة العربية، والمتحول هي العناصر التي استجابت وتفاعلت مع الثقافات الآخرى. د- المواجهة الطفرة. لابد للممثل العربي أن يحس بنبض صفة التراكم وقيمة المتغير... وذلك عبر العلم والمعلوماتية والتكنولوجيا تدخله في حيز جديد ألا وهو استديو ممثل، معمل ممثل ورشة... تؤمن خصوصية الممثل العربي مع الدراسات والبحوث المتخصصة المناسبة. (إن البحث في المسرح بحاجة دائمة لأن يتم اختباره عن طريق الأداء، وأن الأداء بحاجة إلى تنشيط دائم عن طريق البحث حول الزمن والشروط الضرورية له) . وعليه أن الباب ما زال مفتوحاً للتحدي والمواجهة عبر كثير من الأسئلة والحوارات لتخليص الممثل من العوائق التقليدية وقوالب الأداء المكتسبة... والبحث عن لغة تعبيرية تهتم بالمواكبة ومواجهة التحولات الكبرى في الكون والحياة المتجددة عبر الخبرة والتجربة العربية بإيقوناتها وإشاراتها ورموزها وقضاياها المصيرية,فى مواكبة الواقع العربى والتطلع نحو العالميه. عادل حربي Read File